صديق الحسيني القنوجي البخاري

57

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقد وقع الاختلاف في ذلك إلى تمام عشرة أقوال حسبما حكاه القرطبي وأرجحها ما صدرناه ، والكتاب مصدر بمعنى المكتوب وأصله الضم والجمع ، ومنه يقال للجند كتيبة لاجتماعها ، والكتاب يجمع الحروف بعضها إلى بعض ، وهو اسم من أسماء القرآن . لا رَيْبَ فِيهِ أي لا شك فيه أنه من عند اللّه وأنه الحق والصدق ، وقيل هو خبر بمعنى النهي أي لا ترتابوا فيه والريب والشك مع التهمة مصدر ، وهو قلق النفس واضطرابها ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 1 » فإن الشك ريبة وإن الصدق طمأنينة ، ومنه ريب الزمان وهو ما يقلق النفوس ويشخص بالقلوب من نوائبه ، وقيل الريب هو الشك مطلقا ، وقال ابن أبي حاتم لا أعلم في هذا خلافا ، وقد يستعمل الريب في التهمة والحاجة ، حكى ذلك القرطبي ، ومعنى هذا النفي العام أن الكتاب ليس بمظنة للريب لوضوح دلالته وضوحا يقوم مقام البرهان المقتضى لكونه لا ينبغي الارتياب فيه بوجه من الوجوه . هُدىً أي رشاد وبيان ، وأنه يذكر وهو الكثير وبعضهم يؤنث أي هو هدى أو هذه هدى أو هو هاد لهم إلى الحق ، والهدى مصدر ، وهذا وزن نادر في المصادر لم يرد منه فيما قيل إلا الهدى والتقى والسرى والبكا بالقصر في لغة ، وزاد الشاطبي : لغى بالضم في لغة أيضا قال الزمخشري : وهو الدلالة الموصلة إلى البغية بدليل وقوع الضلال في مقابلته ، انتهى . قال القرطبي : الهدى هديان ، هدى دلالة وهو الذي يقدر عليه الرسل وأتباعهم ، قال اللّه تعالى : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [ الرعد : 7 ] وقال : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الشورى : 52 ] فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه ، وتفرد سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق فقال لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [ القصص : 56 ] فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب ، ومنه قوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] وقوله : وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 272 ] . لِلْمُتَّقِينَ أي من ثبتت لهم التقوى ، وتخصيص الهدى بالمتقين لما أنهم

--> غضبي » ، و « إن رحمتي سبقت غضبي » ، و « سبقت رحمتي غضبي » ، انظر البخاري في التوحيد باب 15 ، 22 ، 28 ، 55 ، وبدء الخلق باب 1 ، ومسلم في التوبة حديث 14 - 16 ، والترمذي في الدعوات باب 99 ، وابن ماجة في المقدمة باب 13 ، والزهد باب 35 ، وأحمد في المسند 2 / 242 ، 258 ، 260 ، 313 ، 358 ، 381 ، 397 ، 433 ، 466 . ( 1 ) أخرجه البخاري في البيوع باب 3 ، والترمذي في القيامة باب 60 ، والنسائي في القضاة باب 11 ، والدارمي في البيوع باب 2 ، وأحمد في المسند 6 / 153 .